ابن أبي مخرمة

523

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

ولما توجه المأمون إلى مصر في سنة خمس عشرة ومائتين . . كان معه القاضي يحيى ، فولاه قضاء مصر ، فحكم بها ثلاثة أيام ، ثم خرج مع المأمون . وروي عن يحيى بن أكثم أنه قال : اختصم إلي في الرصافة الجد الخامس بطلب ميراث ابن ابن ابن ابنه . قال الشيخ اليافعي : ( ومثل ذلك وجد عندنا في بلد يافع من اليمن حتى كان يقول الابن السافل : يا جد ؛ أجب جدك ) « 1 » . وكان بعض الشعراء يتردد إلى يحيى ويغشى مجلسه ، وكان بعض الأحيان لا يقدر على الوصول إليه إلا بعد مشقة ومذلة يقاسيها ، وانقطع عنه ، فعاتبته زوجته في ذلك مرارا فأنشدها : [ من الطويل ] تكلفني إذلال نفسي لعزها * وهان عليها أن أهان لتكرما تقول سل المعروف يحيى بن أكثم * فقلت سليه رب يحيى بن أكثما وقد قدمنا أن المعتصم عزل القاضي يحيى ، وجعل مكانه القاضي أحمد بن أبي دؤاد ، فلما فلج أحمد . . ولي ابنه محمد القضاء . ثم إن المتوكل بن المعتصم غضب على ابن أبي دؤاد فصادره ، وصادر ولده محمدا وعزله عن القضاء ، وأعاد القاضي يحيى بن أكثم ، وخلع عليه خمس خلع ، ثم عزله وولى في رتبته جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، فجاء كاتبه إلى القاضي يحيى فقال : سلّم الديوان ، فقال : شاهدان عدلان على أمير المؤمنين أنه أمرني بذلك ، فأخذ الديوان منه قهرا ، وغضب عليه المتوكل فأمر بقبض أملاكه ، ولزم بيته ، ثم حج وعزم على المجاورة بمكة ، فلما اتصل به رجوع المتوكل له . . رجع يريد العراق ، فلما وصل إلى الربذة . . توفي بها يوم الجمعة منتصف ذي الحجة من سنة اثنتين - أو ثلاث - وأربعين ومائتين . وذكر الأستاذ أبو القاسم القشيري في « رسالته » : ( أن أبا عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه بن سعيد كان صديقا للقاضي يحيى بن أكثم ، قال : فرأيته في النوم بعد موته فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : غفر لي إلا أنه وبخني ثم قال : يا يحيى ؛ خلطت عليّ في دار الدنيا . فقلت : يا رب ؛ اتكلت على حديث حدثني به أبو معاوية الضرير عن الأعمش ،

--> ( 1 ) « مرآة الجنان » ( 2 / 141 ) .